رجالٌ لا ينجبون، ونساءٌ قلقات

لم يكن تغيير حفاضات أبنائها أحد هموم منى الأمومية، لاسيّما بعد أن أنجبَت ثلاثة أطفال. إلّا أنّ الأمر تغيّر عندما أنجبَت ابنها الرابع، عُمَر، ولاحظَت في أحد الأيام شيئًا غريبًا حول عضوه التناسلي، إذ بدَت خصيته معلّقةً وفي غير موضعها الطبيعي. فجأة، تحوَّلَت عادةٌ رتيبةٌ آثرَت على ممارستها بشكلٍ آليٍّ إلى مصدرٍ للقلق والتساؤلات: هل سقط ابني؟ هل ضربَه أحدٌ ما؟ هل هذه حالةٌ مؤقّتة؟

تعلَّمَت منى العديد من العلاجات التقليدية لحلّ أيّ مشكلةٍ صحّيةٍ يمرُّ بها أبناؤها. إذا أُصيب أحدهم بالزكام، تخلطُ عصير الليمون وزيت السّمسم والعسل وتُشرِبه إيّاه. إذا تقيّأ أحدهم، تغلي له عشبة الجعدة وتُسقيه إيّاها على مهل. لكنها لم تسمع أو تقرأ من قبل عمّا قد يصيب أعضاء أطفالها التناسليّة، باستثناء الاحمرار الذي قد ينتُج عن استخدام الحفاضات ويُعالجُ غالبًا بمرهمِ ترطيب.

ما أصاب عُمَر حالةٌ نادرة تُعرف بالخصية الهاجرة أو المُعلّقة، وهي شائعةٌ بين المواليد الخُدّج، أي الذين ولدوا قبل الأوان، حيث تعلق إحدى الخصيَتين، أو كلتَيهما في بعض الحالات، ولا تنزل في موضعها الطبيعي في كيس الصفن. عادةً ما تأخذُ الخصيتان موضعهما الطبيعي في الأسابيع الأولى بعد الولادة، لكن إذا تعدّى الأمر أربعة أشهرٍ على حاله، يصبح التدخّل الجراحي حاجةً ضروريةً لإعادتهما إلى موضعهما الطبيعي. لا يوجد سببٌ جيني أو بيئي واضحٌ خلف هذه الظاهرة الصحّية، إلّا أنّ إهمالها يُسبِّب آلامًا مُزمنة، وقد يؤدّي إلى الإصابة بسرطان الخصية ومشاكل في الخصوبة والعقم.

كيف يكون رجل البيت عقيمًا؟ كيف يمكنه قضاء حياته من دون الحصول على ما يَعتبره الرجال هدفهم الأسمى؟

بعدما شاورَت العديد من الأشخاص وجرَّبت كلَّ ما بيدها لعلاج الأمر في المنزل، أخذَت منى ابنها عُمَر إلى طبيب أطفالٍ لاستشارته. عندما بدأ الطبيب بشرح الحالة وتوضيحها، وخصوصًا الآثار المُترتبة عن إهمالها، بدأ قلقُ منى يتّخذ شكلًا جديدًا. فبعدما ظنَّت أنَّ الوقت كفيلٌ بمعالجة الحالة، صُدِمت بحاجة ابنها إلى جراحةٍ وهو لم يتمّ عامه الثالث، وأفزعَتها إمكانيّة إصابته بالسرطان ومعاناته من العقم. بعد عودتها إلى المنزل، أدركَت منى وقع الحالة عليها، والذي لم يكن سببه قلقها على حالة ابنها الصحية وهو في هذه السنّ، بل خوفها على مستقبله.  

تقول منى بالعامّية: "حسّيت بالذنب مباشرةً. ما كنت عارفة إذا قراري بالتدخّل الجراحي راح يسبب مشاكل لعُمر ما يلاقي لها حل. ما كنت متأكدة أنه راح يسامحني إذا صار له وقرّر أنه يجيب أطفال". 

تساءلَت أيضًا إن كانت هي ستسامح نفسها في حال رأَت أحفادها من أبنائها الآخرين ولم ترَ أحفادها من عُمَر. طمأنَها الطبيب باستمرارٍ أنّ ملاحظتها المشكلة في تلك السنّ أمرٌ جيّدٌ ويمكن تداركه، وأنّ نسبة تعرّض ابنها لمشاكل في الخصوبة يقلُّ مع التدخّل الجراحي المُبكر. إلّا أنَّ تلك التساؤلات أرّقتها.

أرادَت منى أن تجد من يرافقها ويفهمها في ذلك الحزن الذي بدأ يغمرها. وعلى الرغم من إدراكها بأنّ احتمال عدم قدرة عُمَر على الإنجاب ضئيلةٌ جدًّا، إلّا أن الهاجس لم يفارقها البتة. رافقَت القصص التي تسمعها من صديقاتها وأقربائها أو تقرأها على الإنترنت. تعرّفت إلى الكثير من الأمّهات القلِقات والرجال المليئين بالعار والذنب. لم تُرد منى أن تحمِّل عُمَر هذا العار، أو أن تُبقي حالته سرًّا يخشاه. أرادَت وضع نهايةٍ لإرث العار ذاك. كان الأمر صعبًا في البداية، إلّا أنها كسرَت حلقة الخوف وأخبرَت مَن حولها عن حالة ابنها بشفافيةٍ تامّة.

كانت بعض ردّات الفعل مزيجًا من الشفقة والحسرة على مستقبلٍ لا يدرك عُمَر وجوده حتّى. لكنها لم تستسلم لمحاولات إحباطها أو إحباط ابنها. لم تُرد أن يحمل عُمَر وحيدًا عبئًا لا يمكنه مشاركته معها أو مع غيرها لأنّ من حوله ربطوا السعادة والحبّ بالقدرة على الإنجاب، وجعلوه المعنى الوحيد لرجولةٍ زائفة. كانت صحّة ابنها ووجوده إلى جانبها أهمّ من قدرته على الإنجاب. 

ما زال العديد من الأمّهات يتكتّمن عن حالاتٍ كحالتَيْ بَكِر وعُمَر، فيحرصن على عدم مشاركة الأمر أو التحدّث عنه خوفًا من العار الذي قد يلاحق أبناءهنّ ويعيقهم عن البحث والسّعي إلى تجربة الحبّ والزواج

مرَّ بَكِر بالحالة نفسها، إلَّا أنّ أحدًا لم يلاحظها إلى حين تكشّفَت إصابته وتعقّدَت حالته بعد تعرُّضه للضرب من أحد زملائه عندما كان في سنّ الثالثة عشرة. تعرَّف الطبيب إلى الحالة، ونصح والدَيه بالتدخّل الجراحي. 

يقول بَكِر: "فكّر الوالد والوالدة أني كنت مريضًا بعد اللي حصل لي في المدرسة، لكن الدكتور كشف أني وُلدت بهذه الحالة". 

كان التدخّل الجراحي على الرغم من تأخّره، هو الحلّ الأفضل والأكثر أمانًا.

أرّقت أم بِكِر التساؤلاتُ نفسها التي عانَتها منى عندما اصطحبَته إلى الطبيب بعد إصابته. لم تُخبِر أحدًا عن إصابته إلّا أخواتِها. كانت تحمل الأمر كسرٍّ لا يجب كشفه، لأنّ إصابته تعني أنَّ ابنها قد يكون "معيوبًا" و"أقلّ رجولة". 

بعد وفاة زوجها، اضطرّ بَكِر إلى أن يُصبِح "رجل البيت"، وأن يعتني بأمّه وأشقائه وشقيقاته بينما كان لا يزال في مرحلة الدراسة الجامعية. كتمَت أمُّه السرَّ بشدّةٍ من بعدها، إذ كيف يكون رجل البيت عقيمًا؟ كيف يمكنه قضاء حياته من دون الحصول على ما يَعتبره الرجال هدفهم الأسمى؟

كان كتمان أمِّه لهذا السرّ يجلب له شعورًا بالعار أكثر من إصابته نفسها. بعد مرور سنينٍ على إصابته، تصالح بَكِر مع احتمالية عدم إنجابه الأطفال، لكنّه حمل معه إحساسًا مستمرًا بالعار، لاسيّما كلّما رأى فتاةً أعجبَته. حاول أن يمنع نفسه من الوقوع في الحبّ لكنّه فشِل. كان إبداء إعجابه أو تحدّثه مع أيّ فتاةٍ يُشعره بذنبٍ تجاهها. لم يرغب في بناء علاقةٍ تُجبره على حرمان شريكته من الإنجاب وتأسيس عائلة. كان احتمال قدرته على الإنجاب ضئيلًا لكونه أجرى العملية في وقتٍ متأخِّر. وحتى لو تمكّن من الإنجاب، تملّكه خوفٌ من أن يرِث أبناؤه الحالة نفسها والعار المُصاحب لها. توقَّفت هذه الهموم عن طرق بابه عندما قابل لطيفة وبدأ بالتحدّث معها على الهاتف لساعاتٍ، ولم يسمح لتلك الحالة بأن تردعه عن التعبير عن حبّه، حتى ولو ووجِهَ بالرفض. لكنّ لطيفة، لمفاجأة بَكِر الشديدة، لم ترفضه، بل وافقَت على الزواج به كما هو. 

يقول بَكِر: "كانت لطيفة أول وآخر حبيباتي. تقبّلتني بعيوبي وبدون تردد". 

أدركَت لطيفة أنّ حبّها لبَكِر يتجاوز قدرته عن الإنجاب، واعتبرت احتمالية الإنجاب خيرة ونصيب. لكنّ ما أقلقها هي تساؤلاتُ الناس التي ستفتك بها إن لم تنجب في سنوات زواجها الأولى، لذلك حفظَت السرّ ولم تخبر أهلها عندما زار منزلهم بَكِر وأمّه للتقدّم لخطبتها. أدركَت أنّ موافقة أهلها ومباركة من حولها لزواجها سوف تتهدّد إذا ما علموا بالأمر، وهذا بالفعل ما حصل.

تقول لطيفة: "بعد خمس سنواتٍ على زواجي، صاروا أهلي وصاحباتي يسألوني "متى نشوف عيالك؟" أو "عقبال ما نفرح بأولادك" كل ما شافوني". 

لذلك دفعها الضغط المستمرّ لاختيار العزلة إلى حين امتلاكها القدرة على إخبار أهلها بالحقيقة. 

وتتابع: "كنت أجاوبهم "لسّا في بداية زواجنا" أو "باقي معنا وقت" بس كانوا يدورون على حلّ، وبأقرب فرصة".

أخبرَت لطيفة أمَّها أولًا، وعلى الرغم من غضبها، إلّا أنّها تفهّمَت الوضع، أو أقلّه حاولَت أن تتفهّم. لكنّ السرّ الذي حفظَته أم بَكِر طويلًا بدأ يتفشّى، ولم تستطِع أم لطيفة أن تحمله وحدها، فدفاعها عن عدم إنجاب ابنتها حتّى الآن قد يراه البعض محاولةً للتستّر على مشكلةٍ أكبر تواجه ابنتها. لذلك اضطرّت إلى إخبار باقي أفراد العائلة بالأمر، وهو ما كانت تخشاه لطيفة منذ البداية. أصبح ما يخصّ بَكِر ولطيفة وحدهما قضيةً مجتمعيةً يحقّ لأيّ شخصٍ كان تناولها والتدخّل فيها، لأنّ عائلتَيهما عجزتا عن تخيّل زواجٍ سعيدٍ من دون إنجاب الأطفال.

ما زال العديد من الأمّهات يتكتّمن عن حالاتٍ كحالتَيْ بَكِر وعُمَر، فيحرصن على عدم مشاركة الأمر أو التحدّث عنه خوفًا من العار الذي قد يلاحق أبناءهنّ ويعيقهم عن البحث والسّعي إلى تجربة الحبّ والزواج. وحتى لو سعى الأبناءُ خلفها في الكِبَر، ستلاحقهم مجتمعاتُهم مطالبةً إيّاهم بإنجاب الأبناء والبنات لإثبات صحّة الزوجَين. 

لكنّ هذه الأسرار هي حكمًا ليسَت غلطة الأمّهات ولا الأبناء، ولا هي غلطة الزوجات اللواتي اختَرن شركاءهنّ من دون التفكير بالأمومة، بل هي نتيجة قرونٍ من بناء ثقافةٍ مجتمعيةٍ تروّج لإثبات الرجولة وارتباطها بالخصوبة، ومن تصوير الإنجاب على أنّه الشاهد الوحيد على نجاح أيّ علاقةٍ زوجية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * ملاحظة: جميع الأسماء الواردة في هذا النص مستعارة.

خالد ع.

خالد ع. كاتب مهتم بقضايا الجندر والجنسانية.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.