نساء يروين قصصهن مع رمضان

قد تختلف رمزية شهر رمضان من شخصٍ لآخر، لكنّ العادات المُرتبطة به تتشابه وغالبًا ما تتمحور حول العائلة والطعام. تختلف تجارب النساء في رمضان عن تجارب الرجال، حيث لا تزال الأدوار الجندرية مألوفة ومطبّعة في أغلب الأحيان. وفي حين تُظهر الصورة العامة إيقاعًا مُتجانسًا للتفاعلات الاجتماعية في هذا الشهر، تنفرد حياة كلّ امرأةٍ بخصوصيةٍ تتأثّر بالسياق الذي تعيشه وخبراتها السابقة.


ــــ إينوكا، عاملة مهاجرة سريلانكية

"وُظّفت في بيت سيِّدةٍ مسلمةٍ علّمتني أنّ رمضان ليس شهرًا لملء البطون بالأكل حدّ التخمة، بل مناسبة لتذكّر مشاعر الفقراء الذين يعانون الجوع يوميًا طيلة أشهر السنة".

المعاملة الحسنة من السيّدات اللواتي عملت في بيوتهنّ جعلَت إينوكا تتساءل عن المعنى الحقيقي لرمضان. وتقول: "ما تعلّمتُه عن رمضان هو أنه يدفع الناس إلى التعاطف ومساعدة بعضهم البعض والابتعاد عن الأنانية". | تصوير زينب نراد

اختبرتُ رمضان عندما هاجرتُ إلى لبنان منذ 20 سنة وكان عملي الأول لدى عائلةٍ مسلمة. مع أنّني تلقيتُ تدريبًا قبل وصولي إلى لبنان للتعرّف إلى ثقافة البلد وقوانينه، إلّا أن "برنامج التعلّم" لم يتضمّن تعريفًا برمضان. 

وُلد لديّ انطباعٌ مغلوطٌ عن رمضان بسبب المعاملة السيّئة التي تلقّيتُها من تلك العائلة. مُنِعت من الأكل إلّا بإذنٍ من صاحبة البيت ووفق ما تختاره هي لي. كنت أعمل طوال النهار في خلال رمضان، وأعدُّ الإفطار والحلويات والقهوة التي يتناولها أهل البيت من دون أن آكل أيّ شيء. لم ينظروا إليّ كشخصٍ لديه مشاعر ويجوع ويتعب ويحتاج إلى راحة مثلهم، بل كآلةٍ لا غاية لها سوى العمل. كنت دائمًا جائعةً وحزينة. استغربتُ سلوك هذه العائلة على الرغم من كونهم مؤمنين، لكني لم أكن أعرف الكثير عن رمضان، فظننتُ أنّ من الطبيعي أن أتعذّب في خلال هذا الشهر. استمرّت المعاملة السيّئة حتّى لم أعد أحتمل، وقرّرتُ العودة إلى بلدي بعد سنةٍ من العمل في البيت نفسه.

اعتنيتُ بعائلتي في سريلانكا، واهتممتُ بابني وأنجبتُ له أخًا وأختًا قبل أن أعود للعمل مجدّدًا في لبنان. وُظّفت في بيت سيِّدةٍ مسلمةٍ علّمتني أنّ رمضان ليس شهرًا لملء البطون بالأكل حدّ التخمة، بل مناسبة لتذكّر مشاعر الفقراء الذين يعانون الجوع يوميًا طيلة أشهر السنة. لم تكن تطبخ كمّياتٍ مبالغٍ بها من الطعام لمائدة الإفطار، وكانت تتناول وجبةً خفيفةً للسّحور، ولا تغضب وتتأفَّف من تعبها وجوعها في خلال النهار، بل تحافظ على هدوئها ولطفها المعتادَين. كما كنّا نطبخ أسبوعيًا طبخةً كبيرةً ونوزِّعها في علبٍ على المحتاجين في الشوارع. 

أحبّت إينوكا مساعدة الآخرين مذ كانت صغيرة. وتتابع: :تربَّيتُ في سريلانكا حيث الناس متعاونون ولا يميِّزون بين الأفراد وفقًا لانتماءاتهم الدينية. مثلًا، في يوم أوبوساتا، ندعو الجميع، بوذيّين وغير بوذيّين، لمشاركتنا مائدة الإفطار". | تصوير زينب مراد

أحببتُ مساعدة الآخرين مذ كنتُ صغيرة. تربَّيتُ في سريلانكا حيث الناس متعاونون ولا يميِّزون بين الأفراد وفقًا لانتماءاتهم الدينية. مثلًا، في يوم أوبوساتا،1 ندعو الجميع، بوذيّين وغير بوذيّين، لمشاركتنا مائدة الإفطار. في الأسبوع الماضي، تناولتُ الإفطار يوم عطلتي لدى السيّدة التي أعمل في منزلها منذ 10 سنوات. وبعدما انتهينا من الطعام قمتُ لأغسل الأطباق لكنّها لم تسمح لي لأنه يوم عطلتي. أشعر كأنها أمّي لكثرة لطفها وحسن معاملتها لي. نأكل على الطاولة نفسها، ونراسل بعضنا البعض، وتقلق إن تأخّرتُ في الردّ عليها، كما أنها تصرّ عليّ أن آكل وأشرب قبل أن أبدأ بالعمل، ولا تمانع أن أحضّر الطعام لنفسي بينما هي صائمة. 

المعاملة الحسنة من السيّدات اللواتي عملتُ في بيوتهنّ جعلَتني أتساءل عن المعنى الحقيقي لرمضان. ما تعلّمتُه عن رمضان هو أنه يدفع الناس إلى التعاطف ومساعدة بعضهم البعض والابتعاد عن الأنانية، وأنني أتلقّى أجرًا إضافيًا عن ساعات العمل الإضافية. برأيي، إن امتدّ رمضان على جميع أيام السنة، وفق هذا التعريف، تصبح الدنيا أحلى!


ــــ غوى، كاتبة وناشطة في القضايا النسوية وقضايا مجتمع الميم-عين

"أحبّ اختلاف مستويات الحركة في هذا الشهر، حيث يزداد النشاط في الشوارع قبل آذان المغرب ثمّ تخلو الشوارع عند الإفطار، فأستغلّ هذا الهدوء لأزور أهلي من دون الاضطرار إلى عبور زحمة السير في الضاحية، حاملةً معي حلوياتٍ رمضانية".

لا تعتبر غوى أن لرمضان دلالة دينية. وتقول: "لكنّي أجده شهرًا مميزًا وأترقّب وصوله كل سنة. ما زلتُ أحبّ التجمّع على مائدة الإفطار". | تصوير زينب مراد

أنا لا دينية ولكني أحبّ شهر رمضان. لم تشبهني البيئة التي وُلدت وكبرت فيها. عشت في منزل عائلتي في برج البراجنة في حيٍّ ذي هيمنةٍ حزبيةٍ وطابعٍ ديني مُتشدِّد، إلى أن انتقلتُ منه منذ ثلاث سنوات. أبي مؤمنٌ غير محافظ، وأمي مزاجيةٌ في التزامها الديني، أمّا الباقون، أي أنا وإخوتي، فلا دينيّون. 

كنتُ أمارس بعض العادات الدينية لإسعاد جدّتي، مثل الصوم والصلاة، حتّى بعدما صرت لا دينية. كنتُ أكذب كي لا أُحزنها. هي تعرف الآن أنّني لا أصوم ولكنّها لا تعلّق على الأمر. أمّا أمّي، فلم تصُم منذ العام الماضي زاعمةً أن عدم الصوم أوفر، ومتذرّعةً أحيانًا بألم ركبتها. ربّما لأنّ الصوم يتطلّب تحضير أكلاتٍ عديدة ومتنوّعة ليتحمّل الجسم الانقطاع عن الأكل والشرب لساعاتٍ طويلة، فإنها تجده أمرًا مكلفًا في ظل الأزمة الاقتصادية، لاسيّما أنّ والدي وأخوتي لا يصومون، ما يعني أنها ستكون مضطرةً إلى تحضير الوجبات اليومية المُعتادة بالإضافة إلى إفطارها وسحورها. 

تتعلّق غالبية عادات عائلتي في رمضان بالأكل. يزداد الاهتمام بالطعام والتجمّع على مائدتي السحور والإفطار. اعتدنا وجود بعض الأكلات دون غيرها في أثناء رمضان، مثل الفتوش والبطاطا المقلية والشوربة على طاولة الإفطار، والمناقيش التي كانت تذهب أمّي لإحضارها عند وقت السحور، بالإضافة إلى الحلو الرمضاني، مثل المفروكة والقطايف بالقشطة والكرابيج والكلاج. ومن ذكريات رمضان الأقرب إلى قلبي، شوربة جدِّي. كان يحبّ أن تجتمع العائلة في بيته ليطبخ لنا طبخاته اللذيذة في رمضان. 

تقول غوى: "أعتقد أن رمضان يستحضر ذكرياتٍ جميلةً لكلّ مسلمٍ/ةٍ أو فردٍ من عائلةٍ أو بيئةٍ مسلمةٍ بمعزلٍ عن انتمائه/ا للإسلام أو عدمه. نعيش رمضان منذ الصغر، ولذلك هو متّصلٌ بنوستالجيا الطفولة، فنحاول بشكلٍ جماعيّ أن نعيشه من خلال وجبات الإفطار والحلويات ومشاهدة المسلسلات". | تصوير زينب مراد

على الرغم من أني لا أعتبر أن لرمضان دلالة دينية، لكنّي أجده شهرًا مميزًا وأترقّب وصوله كل سنة. ما زلتُ أحبّ التجمّع على مائدة الإفطار، فأذهب مع أصدقائي إلى المطاعم التي تقدّم وجباتٍ رمضانية حتى لو لم نكن صائمين. أحبّ اختلاف مستويات الحركة في هذا الشهر، حيث يزداد النشاط في الشوارع قبل آذان المغرب ثمّ تخلو الشوارع عند الإفطار، فأستغلّ هذا الهدوء لأزور أهلي من دون الاضطرار إلى عبور زحمة السير في الضاحية، حاملةً معي حلوياتٍ رمضانية. وما زلت أتطلّع إلى قدوم عيد الفطر أيضًا، فأزور أهلي وأعطي العيدية لأمي. لم نعد نتسوّق الملابس الجديدة أو نزور المقابر والأقارب معًا، لكنه ما زال مناسبةً لنجتمع أنا وأخوتي عند أهلي. 

أعتقد أن رمضان يستحضر ذكرياتٍ جميلةً لكلّ مسلمٍ/ةٍ أو فردٍ من عائلةٍ أو بيئةٍ مسلمةٍ بمعزلٍ عن انتمائه/ا للإسلام أو عدمه. نعيش رمضان منذ الصغر، ولذلك هو متّصلٌ بنوستالجيا الطفولة، فنحاول بشكلٍ جماعيّ أن نعيشه من خلال وجبات الإفطار والحلويات ومشاهدة المسلسلات. قد يختلف رمضان من سنةٍ إلى أخرى، لكنّ الجوّ العام لا يزال نفسه: اهتمامٌ استثنائي بالأكل وتجمّعاتٌ كثيرة.


ــــ ريمال، عالمةُ كيمياءٍ مغتربة

"بعدما انتقلتُ إلى فرنسا، ظلّت أمي تذكّرني بالصلاة وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة. لا شيء في محيطي الآن يذكرني بكوننا في شهر رمضان، بل أسئلتها فقط".

تقول ريمال: "أشتاق إلى الأجواء في طرابلس. هي أكثر ما يعنيني من رمضان. لا أحنّ إلى تجمّعات العائلة، لاسيّما بعد وفاة أبي. أرغب فقط في زيارة مدينتي، والتمتّع بأجوائها في هذه الفترة". | تصوير زينب مراد

رمضان هو الشهر الوحيد الذي نجتمع فيه كعائلةٍ على مائدة الطعام. تفرحني هذه العادة لأننا في الأيام الأخرى لا ننتظر بعضنا البعض لنأكل سويًا. كان أبي يحضّر طعامه بنفسه ويأكل متى شاء لأنه غالبًا لم يكن يوافق على خيارات أمي لوجبة الطعام. أمّا نحن، فكنّا نأكل في الأوقات التي تناسب كلًّا منّا، ومن الطبخة التي تكون أمّي قد أعدّتها. 

لكنّ رمضان كان يجبرنا على الاجتماع وانتظار موعد الإفطار، فنأكل في الوقت نفسه وعلى الطاولة نفسها، إلى أن يترك أبي المائدة ليحضّر أكلةً أخرى لنفسه بعد أن يشاركنا بعض مأكولات رمضان الأساسية، مثل الفتة والشوربة والبطاطا المقلية. وفي بعض الأيام، كان يأكل ممّا طبخته أمي، لكن بما يكفي فقط لكَي يدخّن سيجارته التي تنتظره بشوق، ثمّ يدخل المطبخ ليعدَّ وجبته الخاصة. كان وجود الحلويات استثنائيٌّ في شهر رمضان، نأكلها يوميًا بعد الإفطار على عكس باقي أيام السنة، إذ لم يكن بمقدور أبي شراءها دومًا، وكنّا نعتبرها كمالياتٍ غالية الثمن.

كانت حدّة التوتّر في البيت تزيد في رمضان، كأنّ الكلّ راضٍ ضمنيًا بنفحات الغضب المُتزايد في هذا الشهر والذي يُبرَّر بالصوم والتعب. وبقدر الغضب، تزداد أيضًا كمّية الأطباق التي نغسلها، أنا وأمي فقط، إذ لم يكن متوقعًا من الرجال القيام بالأعمال المنزلية، ما جعل مُدد القيلولة والعمل تتفاوت بين أفراد الأسرة.

عندما توقّفت ريمال عن صوم رمضان، شعرت بحرّيةٍ هائلة. وتشرح: "كنتُ أفطر سرًّا، أو أذهب إلى مقاهي المفطرين فآكل وأشرب براحتي". " تصوير زينب مراد

التغيير الأجمل الذي أعيشه في رمضان هو توسّع مجال حرّيتي، بحيث أخرج من المنزل براحتي وأعود إليه في وقتٍ متأخّر. تعجُّ مدينتي، طرابلس، بالحركة والنشاط والزينة في خلال رمضان، لاسيّما بين الإفطار والسحور. أحبّ التجوّل في المدينة ولقاء الأصدقاء في المساء. في مرّة، دعاني صديقي لأتذوَّق سندويشته المفضّلة التي اكتشفَها قبل ثلاث سنواتٍ واعتمدها سحورًا رمضانيًا يوميًا. جرّبتُها مرةً وتلذَّذتُ بها ثمّ سألتُه بحشريةٍ عن اسمها، فأجاب: "Ham & Cheese!". صُعِق عندما أخبرته أنّ Ham تعني لحم الخنزير. لا أعلم إن كان قد تخطّى حقيقة تناوله لحم الخنزير المُحرّم!

عندما قرَّرتُ التوقّف عن صوم رمضان، شعرتُ بحرّيةٍ هائلة. كنتُ أفطر سرًّا، أو أذهب إلى مقاهي المفطرين فآكل وأشرب براحتي. في بعض الأوقات، كنتُ أكذب وأقول إنّني في الدورة الشهرية كتبريرٍ شرعي لعدم الصوم من أجل تجنّب الجدال الديني عن سبب عدم صومي. وكان يستمرّ ادعائي هذا لفترةٍ غير منطقية، تصل أحيانًا إلى قرب انتهاء رمضان.

تقول ريمال: "التغيير الأجمل الذي أعيشه في رمضان هو توسّع مجال حرّيتي، بحيث أخرج من المنزل براحتي وأعود إليه في وقتٍ متأخّر. تعجُّ مدينتي، طرابلس، بالحركة والنشاط والزينة في خلال رمضان، لاسيّما بين الإفطار والسحور". | تصوير زينب مراد

بعدما انتقلتُ إلى فرنسا، ظلّت أمي تذكّرني بالصلاة وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة. لا شيء في محيطي الآن يذكرني بكوننا في شهر رمضان، بل أسئلتها فقط. كنت أطّلع على وقت الغروب كي أتصنّع الصوم ومعرفتي بوقت الإفطار عندما تكلّمني. هذه السنة صرتُ أجيبها بأنني لستُ صائمة، إمّا لأنني متعبةٌ أو لأن النهار طويلٌ جدًا في فرنسا ولديّ الكثير من العمل. لم أخبرها أنّني لم أعد أتبع دين الإسلام كي لا تحزن. 

أشتاق إلى الأجواء في طرابلس. هي أكثر ما يعنيني من رمضان. لا أحنّ إلى تجمّعات العائلة، لاسيّما بعد وفاة أبي. أرغب فقط في زيارة مدينتي، والتمتّع بأجوائها في هذه الفترة، وشراء العصير قبل مغيب الشمس بلحظات. رمضان بالنسبة لي هو تلك المدينة فقط، التي تنتظرني أن ألتقيها كلّ سنة، ولكنني أخذلها دائمًا ولا آتي.


ــــ رينيه، فنانة وناشطة في القضايا النسوية وقضايا العبور الجندري

"رمضان هذا العام مختلف، فقد بدأتُ بتلقي العلاج الهرموني من أجل عبوري الجندري، وأمي بجانبي أثناء اختباري هذه التغيّرات في جسدي".

تقضي والدة رينيه رمضان هذا العام معها، وللمرّة الأولى منذ انتقال رينيه من سوريا. وتشرح: "أريد أن أؤمّن لها الراحة. أطبخ لها، وأتابع المسلسلات الرمضانية معها، بينما نشرب المتّة". | تصوير زينب مراد

ولدتُ في سوريا لأمٍّ مسلمةٍ وأبٍ مسيحي، وكبرتُ في جوٍّ مُختلطٍ أحببتُ كثرة الأعياد فيه. تعلَّمتُ عن رمضان من أمّي، وأصومه كلّ سنةٍ مذ كنت صغيرة. هذه السنة، تزامن رمضان مع فترة الصوم الكبير، فصمتهما في الوقت نفسه. توجّه لي أحدهم مرّةً قائلًا: "لماذا تصومين؟ أنتِ أصلًا مسيحية!"، وقال لي آخر: "لماذا تزورين مار شربل؟". إجابتي الدائمة هي: "قناعاتي الدينية أمرٌ خاصّ بي لا أحبِّذ مشاركتها ونقاشها مع الآخرين".

أحبّ أن أنشط أكثر في خلال أيام الصوم بالمقارنة مع الأيام العادية. أعتبرها فرصةً لتحدّي نفسي ومضاعفة جهودي وإنتاجيّتي، وفترة تطهيرٍ للجسم من السموم التي نستهلكها ونتعرّض لها طيلة أشهر السنة. طاقة هذا الشهر جميلةٌ لأنه متبوعٌ بعيدٍ أشعر فيه بسلامٍ وسكينةٍ استثنائيَّتين.  

ترتبط هذه المشاعر بالأشخاص الذين أحيط نفسي بهم، ولاسيما أمي وأخي. علاقتي بهما مميّزةٌ حتى بعدما انتقلتُ إلى لبنان منذ أربع سنوات. تقضي أمّي رمضان هذا العام معي، وللمرّة الأولى منذ انتقالي من سوريا. أريد أن أؤمّن لها الراحة. أطبخ لها، وأتابع المسلسلات الرمضانية معها، بينما نشرب المتّة. أشعر أن للطبخ في رمضان غايةٌ أسمى وأقدس منه في الأيام الأخرى، وأعتبر أنّ رمضان الحالي هو نعمةٌ لي لأنّي أصومه معها. رمضان هذا العام مختلف، فقد بدأتُ بتلقي العلاج الهرموني من أجل عبوري الجندري، وأمي بجانبي أثناء اختباري هذه التغيّرات في جسدي.

تقول رينيه: "ولدتُ في سوريا لأمٍّ مسلمةٍ وأبٍ مسيحي، وكبرتُ في جوٍّ مُختلطٍ أحببتُ كثرة الأعياد فيه. تعلَّمتُ عن رمضان من أمّي، وأصومه كلّ سنةٍ مذ كنت صغيرة. هذه السنة، تزامن رمضان مع فترة الصوم الكبير، فصمتهما في الوقت نفسه". | تصوير زينب مراد

كانت أمّي تحضّر ولائم إفطارٍ وتدعو أقاربنا في سوريا. يحرِّك رمضان ذكرياتي مع العائلة والحنين إلى إيقاع الحركة خارج البيوت، إذ تكون المطاعم مغلقةً والناس غارقون في أشغالهم، ثمّ يتوقّفون جميعًا عن العمل ويذهبون إلى بيوتهم في وقت الإفطار، ويخرجون بعد ذلك إلى الشوارع للتسلية. عندما يقترب العيد، كنّا نذهب في المساءات إلى الأسواق لتبضّع الثياب، ونباشر بتحضير حلويات العيد من معمول الجوز والتمر والراحة والغرَيبة والأقراص، وغيرها ممّا تعلّمناه من جدَّتي. وكانت تستمر تحضيرات العيد لأيامٍ عدّة. 

أفتقد هذا الجوّ في مكان سكني الحالي. لكنّي أضع بعض الزينة في بيتي في خلال رمضان، وأحضّر حلويات العيد في الأسبوع الأخير منه. رمضان بالنسبة لي هو ذكرياتي مع عائلتي، ومشاعر الألفة والمحبّة والقرب.

 

 

  • 1يوم أوبوساتا هو "يوم التطهير، وهو يوم عبادةٍ في الديانة البوذية، يحتفل به البوذيّون/ات في يومَي الهلال والبدر بالصّيام والتجمّع في المعابد للصّلاة وتناول الإفطار.

زينب مراد

زينب مراد ناشطةٌ اجتماعيةٌ وفنّانةٌ تتبنى وتدعم النظرة الإيجابيّة للأجسام الطّبيعية وجميع اختلافاتها. كما توثّق الأجسام على طبيعتها وتفاعلاتها مع المجتمع من خلال السّرد والصّور.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.