سحر ووهم ودم: الخرافات عن الجنس في الثقافة العربيّة الحديثة

لا يتخذ العِلم في الثقافة العربيّة مسارًا تقدّميًا دائمًا. فقد صمدَت مجالاتٌ عدّة، أبرزها الجنس، أمام المدّ العلميّ، لارتباط القناعات الجنسيّة ببنيان الفحولة لدى الرجل، والمشيَّد أساسًا على استضعاف المرأة. ولمّا كانت مهمّة الطبّ كشف الحقائق لا تغليب وجهة نظر الرجل في شأن الجنس وجسد المرأة،1 بات بنيان الفحولة مُهدَّدًا بالانهدام. لذلك يقاوم النظام الأبوي كلّ حقيقةٍ علميةٍ تمسّ قناعاته، زارعًا وهمًا لدى المرأة بأنّ ماهيّتها مستمدّةٌ منه، وبأنّها "لا شيء" من دونه.

من الحفاظ على عذرية الفتاة إلى فضّ بكارتها

  • طقوس الاحتفاظ بالبكارة

لطالما اعتبرَت المجتمعات الأبوية - ومن بينها الناطقة بالعربية - أنّ شهادة "طهارة" المرأة هي غشاء بكارتها، لذلك لقِّنت الفتاة طرائق للاحتفاظ بهذا الغشاء أو حتّى اختلاقه. 

منذ القرن التاسع عشر وحتى نهايات القرن العشرين، كانت الفتاة إذا بلغَت سحبَتها عائلتها إلى داخل المنزل ومنعَتها من اللعب مع الأولاد،2 ثمّ أجلسَتها في انتظار زوجٍ يختاره لها أبوها. وربّما يتّفق والدها مع والد العريس على زواجهما وهما في سنّ الطفولة، كما في حالة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابّي الذي تزوّج ابنة عمّه تنفيذًا لوصيّة أبيه لأنّها "سُمِّيت عليه"

مع ذلك، لم يكن حجب الفتاة في المنزل كافيًا لحفظ بكارتها، لذلك وُضعت لها قائمةٌ من المحاذير، مثل منعها من لمس أعضائها التناسليّة،3 أو إلزامها باتخاذ وضعيّاتٍ معيّنةٍ مثل الجلوس مضمومة الساقَين.

لطالما اعتبرَت المجتمعات الأبوية - ومن بينها الناطقة بالعربية - أنّ شهادة "طهارة" المرأة هي غشاء بكارتها، لذلك لقِّنت الفتاة طرائق للاحتفاظ بهذا الغشاء أو حتّى اختلاقه

ومع نيل الدول الناطقة بالعربيّة استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وما فرضَته تلك المرحلة الحداثية من وجوب إخراج المرأة للدراسة والعمل، طوّر المجتمع طرائق جديدة للحفاظ على بكارة الفتاة، قضى بعضها بمنعها من ممارسة رياضاتٍ قد تتسبّب في افتضاض غشاء البكارة (في حال وجوده) مثل ركوب الدرّاجات والخيل. وتروي الطبيبة والكاتبة النسوية نوال السعداوي قصّة فتاةٍ جلبها أبوها إلى عيادتها لفحص عذريّتها شكًّا منه بتضرّر غشاء البكارة نتيجة ركوبها الخيل. فأخبرَته السعداوي بعد فحصها بأنّ الغشاء انجرح قليلًا، ما قد يؤدّي إلى عدم سيلان الدم إذا كان عضو الرجل أصغر من الفتحة التي اتّسعت بفعل الجرح. فثارَت ثائرة الأب ولم يهدأ حتّى استحصل على شهادةٍ من الطبيبة تثبت عذرية ابنته، ثم منَعها نهائيًا من ممارسة تلك الرياضة.4

هيّج تحرّر المرأة هواجس النظام الأبويّ في شأن البكارة، فبدأ يتقبّل وإن مُكرهًا وجود علاقةٍ بين المرأة والرجل قبل الزواج لكن بحدود التلامس ومسك اليدَين أو التربيت على الكتف، ومن دون التسامح مع افتضاض البكارة. واستبطنَت المرأة نفسها ذلك "الخطّ الأحمر"، فسمحَت لنفسها بعلاقةٍ سطحيّةٍ فقط، أو بحسب التعبير التونسيّ "من فوق لفوق". ولمّا كان من المستحيل تتبّع الفتاة طوال الوقت، لاسيّما بعد تحرّر المرأة وارتيادها الجامعة والابتعاد عن ناظر أهلها، وضَع النظام على بكارتها حارسًا يراها ولا تراه، هو جِنٌّ يُسخَّر من العالم الآخر لحماية بكارتها عبر طقس "التصفيح" الذي يمنع الرجل من فضّ البكارة ما لم يحلّ التصفيحة. 

سجّلتُ شهاداتٍ كثيرة، تحفّظ أصحابها على ذكر أسمائهم،5 أكّدوا فيها أنّهم في ليلة الدخلة حاولوا الإيلاج أكثر من مرّةٍ ولم يفلحوا في افتضاض البكارة. ووصفوا الأمر كأنّ شيئًا ما كان يدفع بالذكر إلى خارج الرحم، ليتّضح وفقًا لهم بأنّ المرأة مصفّحة وتحتاج إلى "حلّ التصفيحة".

يتمّ التصفيح عبر طقوسٍ خاصّةٍ وبوسائل مختلفة، بعضها مكتوبٌ والآخر يتناقل شفويًا. لكنّ الطريقة الأشهر هي بوضع الفتاة فوق الخشبة الفوقيّة لآلة النسيج التقليديّة والقفز عليها سبع مرّات، ثمّ تجريح ركبتها عند القفزة السابعة سبعة جروحٍ صغيرةٍ حتّى يسيل الدم، ثمّ تنقعُ فيه سبع تمراتٍ تأكلها الفتاة وهي تقول: "أنا حيط وابن المرأة خيط". ولا تعرف طريقة فكّ هذا السّحر إلّا المرأة التي عقدَته، فإذا ماتَت يُلجَأ إلى طرائق أخرى. وبحسب أحد "الروحانيّين" الذي استجوبه الباحث سعيد عبدلي، تحلّ التصفيحة عبر أخذ خيطٍ بمثل طول الفتاة، وتؤمر بأن تحرقه وتضع رماده في كأسٍ من العسل، ثم تتناول منه سبع ملاعق صغيرةٍ فينتهي مفعوله.6

مع تراجع اللجوء إلى السّحر بفعل موجة التحديث وتضييق كثيرٍ من الأنظمة العربية على أنشطة المشعوذين والسّحرة، استثمر النظامُ الأبوي في التقدّم الطبّي للحفاظ على البكارة أو استرجاعها

وأخبرَتني قريبةٌ لي7 أنّها حضرَت طقس التصفيح لكن من دون تجريح ركبتها، وتمّ حلّ التصفحية لاحقًا باستحمامها في حوضٍ كبيرٍ يحتوي على أدوات النسيج قبل زواجها بقليل. كذلك أخبرني وحيد براهم، صحافيّ وباحثٌ في الحضارة الإسلامية،8 أنّ أخواته الثلاث صُفّحن على عتبة غرفةٍ في منزلهم، باعتبار أنّ العتبة لا تنتقل من مكانها، وهو المطلوب كي تثبت العذريّة. وأشار إلى أنّ والدته أمّنَته لاحقًا على حجارةٍ صغيرةٍ ملساء لحلّ تصفيحة أخواته، إذ خافَت أن ترحل ويضيع سرّ التصفيح معها نظرًا لما يحمله الأمر من خطورة. فقد فسّرَت لي قريبتي أنّ حلّ التصفيح على نحوٍ خاطئٍ يحوّل الجنّ الحارس لبكارة الفتاة إلى جنٍّ عاشقٍ لها!

مع تراجع اللجوء إلى السّحر بفعل موجة التحديث وتضييق كثيرٍ من الأنظمة العربية على أنشطة المشعوذين والسّحرة، استثمر النظامُ الأبوي في التقدّم الطبّي للحفاظ على البكارة أو استرجاعها. ومن الوقائع التي تسردها نوال السعداوي أنّ فتاةً زارت عيادتها مع حبيبها الذي حملَت منه خارج إطار الزواج، مؤكّدةً لها أنّه لم يقع "اتّصالٌ كامل" بينهما. وبعد أن تأكّدَت الطبيبة النسائية من سلامة البكارة، فسّرَت حصول الحمل بتسلّل حيوانٍ منويّ من فتحة البكارة إلى الرحم. لكنّ الصادم أنّ الفتاة طلبَت منها إخراج الجنين من بطنها "حفاظًا على بكارتها"، وعندما امتنعَت الطبيبة، لجأَت الفتاة إلى طبيبٍ آخر، ولاحقًا تزوّجَت من رجلٍ غير حبيبها. تعلّق الطبيبة: "وهذا المهندس [زوجها] لن يهمّه الشقّ الطويل في بطنها، أو في قلبها أو كبدها أو مخّها،  المهمّ أنّ البكارة لم تُشَقّ".9

من المعلوم أيضًا أنّ كثيرًا من الفتيات يلجأن إلى عمليّات الرَتْق عند فقدان البكارة. وفي عام 2018 في تونس، تراوحَت تكلفة العملية الواحدة بين 30 دينارًا للرتق العادي و700 دينارٍ للرتق بالليزر.10

لكنّ القيمة التي حظيَ بها الاحتفاظ بهذا الغشاء توازي قيمة افتضاضه الذي شكّل بدوره طقسًا خاضعًا لأعرافٍ صارمة.

  • طقوس افتضاض البكارة

اتّخذ طقس الافتضاض لعقودٍ طويلةٍ طابعًا جماعيًّا على الرغم من كونه فعلًا حميمًا بين الزوجَين. وفي بعض البلدان، يقوم شخصٌ آخر غير الزوج بفضّ البكارة، مثل الداية في مصر، التي تمسك بالفتاة من ساقَيها، وتمدّ إصبعها ذا الظفر الطويل وتفضّ به غشاء البكارة، ويجفّف الدم ببشكيرٍ أبيض يختطفه منها أبو العروس ويرفعه عاليًا.11  

أمّا في تونس، ولا سيّما في الأرياف، فيخرج العريس في ليلة الدخلة حاملاً قميصًا نسائيّا أو شمعةً مضاءة، ولكلّ منهما دلالةٌ خاصّة. فالقميص هو لباسٌ داخليّ يُنزله الرجل إلى مستوى المهبل ليتلطّخ بالدم المتدفّق بعد الإيلاج، قبل أن يخرج به ويسلّمه إلى رجلٍ يقف عند بابه يُعرف بوزير العريس. وهو رجلٌ يختاره العريس لـ "يثقّفه" جنسيًّا، ويرسم له الوضعيّات المناسبة، ويعلّمه آداب معاملة العروس. وبعد أن يتسلّم الوزير القميص يسلّمه بدوره إلى أهل العروس، فترتفع الزغاريد وتسيل الدموع فرحًا بالشرف المصون، ومن الأغاني التي يردّدها المحتفلون في منطقة جبنيانة من ولاية صفاقس: "طلعِت نوّارة (عذراء) فلانة (اسم العروس)". وبحسب الباحث في علم الاجتماع سعيد عبدلي، إخراج القميص هو تقليدٌ بربري.12

مع ذلك، لا يهمّ إسالة الدم فحسب بل الكثير منه. تذكر نوال السعداوي أنّ الداية التي تفضّ بكارة الفتاة تتعمّد جرحها لأنّ "الناس يحكمون على شرف العروس بمقدار ما يسقط من دمٍ منها".13 كما أن عدم خروج الدم أو خروج القليل منه، يوتّر الرجل الذي يحاول "اقتحام" المرأة بقوّةٍ فتحصل الكوارث. وقد وثّقَت جريدة الشروق التونسية حادثة افتضاض بكارة عروسٍ فقدَت وعيها نتيجة إصابتها بنزيفٍ حادٍ نُقلت على إثره إلى المستشفى.14

أمّا في حال لم يسِل الدمّ من المرأة، فلا تكون النهاية "سارّة". وبحسب ما أخبرني والدي عبد الرحمن نعمان عن تقاليد تلك الليلة في مدينة جبنيانة، فإنّ أخفّ النهايات تقضي بحصول اتفاقٍ بين العائلتَين على "ستر الفضيحة"، وخصوصًا إذا كان بينهما قرابة، بحيث تبيت العروس ليلتها عند العريس وتُرسل في الصباح إلى أهلها مع شائعةٍ تفيد بأنّها مريضةٌ ولا تصلح للزواج مع التشديد على عفافها. أمّا في بعض المناطق المحافظة الأخرى، فيتمّ إخراج العروس من عشّ الزوجيّة.15 وتحدّثَت السعداوي عن حالات طلاقٍ وقتلٍ موثّقةٍ في مصر بسبب عدم سيلان الدم،16 بالرغم من أنّ إناثًا كثيراتٍ يولدن أصلًا من دون غشاء بكارة، أو بغشاءٍ مطّاطي، أو أنّ الدم لا يسيل لأيّ سببٍ كان.

تذكر نوال السعداوي أنّ الداية التي تفضّ بكارة الفتاة تتعمّد جرحها لأنّ "الناس يحكمون على شرف العروس بمقدار ما يسقط من دمٍ منها"

كلّ هذا من أجل ذلك الغشاء الذي لا تهبه الطبيعة لكلّ النساء، حيث تبيّن الطبيبة نوال السعداوي أنّه يوجد نوع شائع من الغشاء في 75% من البنات حين يتمزّق تخرج منه قطرات دم. أمّا الــ 25% الأخرى فلا يسيل منها دم عند الاتّصال الجنسي، أحدها هو النوع المطّاطي الذي يسمح بمرور عضو الرجل دون ألم ودم،  ونسبة قليلة من البنات يولدن بغير غشاء على الإطلاق.

أمّا إخراج شمعةٍ مضاءةٍ فهو إقرارٌ من العريس بعجزه عن "افتضاض" زوجته مع التأكيد على عذريّتها، علمًا أنّه يتأكّد من سلامة البكارة من خلال إيلاج خنصره - يخضَّب نصفه بالحنّاء - الذي يفترض أن يقف منتصفه عند جدار البكارة إذا كان موجودًا. وقد يلقى إخراج الشمعة رضا أهل العروس، فيما يمهل بعضهم العريس وقتًا إضافيًا ليتمكّن من الأمر. ويذكر أستاذ التاريخ والأنثروبولوجيا، عبد الواحد المكني، واقعةً بمدينته جبنيانة عن أمّ عروسٍ ردّت على حامل الشمعة بـ "حطّها في دبرك!" (ضعها في مؤخّرتك)، فيما توجّهت حماةٌ أخرى إلى أمّ العريس الذي "فشل" في فضّ البكارة أسوةً بأخوَين "فشلا" قبله أيضًا: "هِزْ ولادِك... عَلِّمهم في الكارتي (بيوت الدعارة) قبل ما تعرّس لهم (تزوّجيهم)... باش ما يوسّخوش بنات الرجال بالباطل".17  

وقد يتجاوز العريس "المنحوس" توتّره في اليوم التالي أو تطول به المدّة نسبيًّا. وإذا لم يتغيّر حاله وعجز عن الإيلاج، فإنّه بلا شكٍّ مسحورٌ في اعتقاد الناس. وللسّحر أهله في ربطه وحلّه.

من ربط العريس إلى حراسته

  • الربط وعقد رغبة الرجل

اعتقد القدامى بسحر الربط، فقد ذكره ابن قدامة في عام 1173 في المغني،18 وعرّفه بأنّه سحرٌ يسبّب حالة ارتخاءٍ في قضيب الرجل،19 وقَوِي الاعتقاد به في العصر الحديث. وبحسب بعض "السّحرة" الذين استجوبهم الباحث حسين عبدلي، يقع السحر نتيجة تسخير جنٍّ لتعطيل إشارات الدماغ إلى القضيب لمنعه من الانتصاب، وهو ما يحصل بطرائق كثيرةٍ منها عقد خيطٍ أو إطعام الزوج أعشابًا خاصّةً مثل عشبة عروق الزكّوم. ويعتقد بعض المغاربة أنّ استخدام الواقي الذكريّ في العلاقة الجنسيّة خارج الزواج يمكّن الرجل من حفظ منيّه، ويفوّت الفرصة على شريكته لاستعماله في ربطه.20

ومن أشهر الأعشاب التي "يُسحر" بها الرجل نبتة "الميّتة والحيّة"، ويرِد ذكرها في مسلسل "ضفائر" حين يُسرّ سي الشريف لعاملٍ عنده يدعى إبراهيم قصّة هذه النبتة التي سقَته منها زوجته قبل الزواج حتّى لا يخونها، لكنّها لم تعرف حلّها فأصابه العقم.

سي الشريف : هل تسمع بالميّتة والحيّة؟

إبراهيم: منّك أسمع.

سي الشريف: هي زهرة تنبت عندنا في الربيع (في الجنوب التونسي) تحت الصخر بعد نزول المطر، ويخرج منها رأسان أزهران، أحدهما يابس ذابل كأنّ الخريف نزل عليه، والثاني يانع كزهر الربيع. والرجل الذي يطعمونه الميّتة يُخفون عنه الحيّة، فإذا أكلها ينسى الضنا (الإنجاب)، ويقضّي حياته معلولًا كحالي، ولا يشفى منها إلّا إذا أكل الحيّة.

إبراهيم: الأمر هَيِّنٌ (سهل) إذن، الربيع قادم، فإذا حلّ ارتقِ الجبل وكُلِ الحيّة.

سي الشريف: يا رجل، إنّ دواء الميّتة هي أختها الحيّة النابتة معها في نفس الزهرة، لقد اعترفَت لي زوجتي سالمة بأنّها دسّت لي الميّتة وأخفَت عنّي الحيّة، وبعد أن تزوّجنا نسيَت مكانها وما زلنا نبحث عنها.

يتّهم المجتمعُ المرأةَ عمومًا بدسّ الميّتة. وقد حدّثني والدي عبد الرحمن نعمان أنّ الربط تقوم به عادةً الفتاةُ التي ترغب في رجلٍ لا يحبّها، بحيث تدسّ له الميّتة لتفسد عليه زواجه من أخرى.21 وبحسب والدي، يُحلّ الربط بطرقٍ عدّةٍ منها أن يأخذ المربوط حمّامًا، ثمّ تُقرأ عليه الفاتحة والمعوّذتان وآية الكرسي. 

وحلول الربط عمومًا يمكن إجمالها في ثلاثة: رقية شرعيّة، أو تناول بعض الأعشاب، أو مواجهة السّحر بالسّحر.22 لذلك احتاط المجتمع لأهل السّحر ومَن بَيَّتَ الشرّ باللجوء لإجراءاتٍ خاصّةٍ في خلال أيّام الزواج وحتّى بعدها.

  • "العرّاسة" أو الحرس الشخصيّ للعريس

"العرّاسة" هي فرقةٌ خاصّةٌ تلتئم عفويًّا حول العريس وتتألف من أصحابه المقرّبين وأقربائه، وأقربهم هو الوزير الذي يُكلّف بإرشاد العريس جنسيًّا طيلة أيّام الزواج، ويقوم أيضًا بمهامّ خاصّةٍ مثل انتظار القميص أو الشمعة على بابه. لكن للوزير مهمّةٌ سريّةٌ أخرى يمكن أن نصفَها بـ "الحماية الروحانيّة"، وهي حراسة العريس في أكله وشرابه خوفًا من أن يُدَسّ له شيءٌ ما. 

تستمرّ أيّام الزواج في هالةٍ من السحر الأبيض الذي يحلّق فوق العروسَين مثل قبّةٍ حديديّةٍ تمنع السحر الأسود عنهما. فحتّى المنصّة التي يجلس عليها العروسان تُزيّن بنقوشٍ وعلاماتٍ ذات مدلولٍ سحريّ

وحدّثَتني والدتي سعاد علوان23 أنّ على العريس ألا يأكل طيلة أيّام زواجه سوى طعام أمّه، أو حماته، أو امرأةٍ موثوقٍ بها. كذلك لا يجب أن يُجمّر دارَ العريس بالبخور سوى امرأةٍ واحدةٍ موثوقةٍ خوفًا من دسّ السّحر في الدار. وأكثر من تُخشى دسائسهم هم الأعداء و"العجوز الشرّيرة" صاحبة الصورة الشيطانية في المخيال الشعبي العربي. وقد أفرد لهنّ النفزاوي، صاحب "الروض العاطر"، بابًا في كتابه عنونَه "بابُ ما يُحذَر من دخول العجائز اللاتي غير مأموناتٍ الدور".24 وفي المغرب العربي، يعتقد كثرٌ أن العجوز تدخل لتفرّق بين الأزواج وتهدم البيوت بفتنتها.

تستمرّ أيّام الزواج في هالةٍ من السحر الأبيض الذي يحلّق فوق العروسَين مثل قبّةٍ حديديّةٍ تمنع السحر الأسود عنهما. فحتّى المنصّة التي يجلس عليها العروسان تُزيّن بنقوشٍ وعلاماتٍ ذات مدلولٍ سحريّ (زعنفة، خمسة، سمكة)، كما تُشيّع سيّارتهما بسكب الماء خلفها بعد انطلاقها. وأيضًا لزيادة "خصوبة" العريس، يُدحرَج في يوم الدخلة طفلٌ صغيرٌ على فراش الزوجيّة أو يُذرّ الكمون الأسود على سرير العروسَين.25

يقسو النظام الذكوري على الرجل كما المرأة، وإن بدرجةٍ أقلّ. فقد أجمع مبحوثونا أنّ العقم تهمةٌ يرمى بها الرجل غالبًا، حتّى يتّضح خلاف ذلك. أمّا إذا كان كلّ شيء "على ما يُرام"، فيكون أمام الزوجَين مرمًى آخر هو "الإشباع" الذي لم ينفلت من دائرة الخرافة أيضًا.

الإشباع الجنسي

تتّفق الدراسات الجنسانيّة في الثقافة العربيّة على وجود تجهيلٍ متعمّدٍ للمرأة العربيّة في ما يتعلّق بوعيها الجنسيّ، فهي لا تحصل على الحدّ الأدنى من المعلومات الجنسيّة حتّى يقترب موعد زواجها، فتُلقَّن "وصيةً" سرّيةً من أمها أو قريبتها، وهي عادةٌ قديمةٌ نجدها في كتب "الباه والنكاح"، وأشهر النصوص فيها قصّة امرأةٍ تدعى أمامة بنت الحارث وهي تجهّز ابنتها وتوصيها: "كوني له أَمَةً (جارية) يَكُنْ لَكِ عبدًا".

لم يولِ النظام الذكوريّ حتّى اليوم الجدّية الكافية لبحث جنسانيّات النساء وحاجاتهنّ ومن بينها الإشباع الجنسي، لاعتقاده بأنّه من علامات العهر

لكنّ وعي المرأة الجنسي بدأ يزداد مع انتشار دور السينما والروايات والإنتاجات التلفزيونية المنفتحة، ووضع برامج تعليمٍ أكثر تقدّمًا، ثم توسّع شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحَت المجال لمبادراتٍ وسرديّاتٍ أكثر تحرّرًا وانفتاحًا ووضوحًا عن الجنسانية وجسد المرأة ومتعتها، إضافةً إلى توسّع المدّ النضالي النسويّ الذي ساهم في التحرير الجنسي للنساء. مع ذلك، لا تزال معتقداتٌ كثيرةٌ راسخةٌ في الوعي الجَمعي. من ذلك الجهل بمثيرات اللذة لدى المرأة، إذ تشير الطبيبة نوال السعداوي إلى أنّ قضيب الرجل مشابهٌ للبظر من حيث الأنسجة والدور في تحقيق اللذة، لكنّ البظر يتوقّف في مرحلةٍ ما عن النموّ بعكس العضو الذكريّ الذي يستمرّ في ذلك، وهو ما زرع وهمًا لدى المرأة بأنّ إثارة البظر "هي رغبات الطفولة أو المراهقة وليسَت [رغبات] المرأة الناضجة".26 وقد جرّ هذا الوهم إلى وهمٍ ثانٍ هو حجم القضيب، باعتبار أنّ الوصول إلى عنق الرحم وإمتاع المرأة لا بدّ له من قضيبٍ كبيرٍ وطويل. وقد غذّت البورنوغرافيا هذا الاعتقاد، إلّا أنه ليس جديدًا في الذهنيّة العربيّة، إذ يذكر النفزاوي الذي عاش في القرن الرابع عشر أنّ المحمود من الرجال عند النساء هو "الكبير المتّاع، الشديد، القويّ، الغليظ"، وأنهنّ يكرهن أن "يكون فيه رخوة". وتأكيدًا على ذلك، يسرد قصصًا تُظهر ضعف المرأة أمام القضيب الكبير، مثل قصّة حمدونة التي تكشّفَت على قضيب رجلٍ اسمه بهلول "فجعلَت تنظر فيه وتتعجّب من كبره وعِظَم خلقته، وقالت: هذا فتنة النساء، وعليه يكون البلاء".27  

ثمّ إنّ مفهوم إشباع المرأة في حدّ ذاته لا يزال مجهولًا لدى كثيرٍ من الرجال. فهُم إمّا لا يعرفون أنّ المرأة تختبر ما يشبه الإنزال أو القذف عند بلوغ اللذة، أو يعتقدون أنّها تبلغ النشوة بمجرّد وصولهم هم إليها. ولمّا كان مفهوم الإشباع عند كثيرٍ من الرجال مرتبطًا بالقدرة على الانتصاب وإنهاء الفعل الجنسيّ بالقذف من دون معيقات، ثم الإفاقة بسرعةٍ لإعادة الفعل مرّتين أو ثلاثًا، لجأوا إلى كلّ ما يساعدهم على تقوية "رُكَبهم" لاعتقادهم أنّ الضعف الجنسيّ ينكشف هناك، وذلك عبر أكل اللّوز والعسل، أو إلقاء تعويذاتٍ خاصّة. وذكر لي أحد المبحوثين أنّه إذ همّ بـ "مواقعة" زوجته كتب على يده آيةً من القرآن، مؤكدًا لي نجاعة الأمر.

يمثّل الجنس مدخلًا أساسيًّا لفهم مكامن التصدّع في النظام الأبويّ العربيّ، فهذا النظام يسلب الفتاة جسدها منذ الطفولة ثم يطالبها بأن تجيد وهبَه لزوجها لإشباعه فور الزواج

لم يولِ النظام الذكوريّ حتّى اليوم الجدّية الكافية لبحث جنسانيّات النساء وحاجاتهنّ ومن بينها الإشباع الجنسي، لاعتقاده بأنّه من علامات العهر، وهذا ما يؤكّده المثل المغربيّ "تتحرّك تطلّق"، معتبرًا أنّ حراكها (أي إثارتها) يدلّ على حدوث رغبةٍ محرّمة.28 وتفيد شهادات بعض النساء أنّ كتمان التلذّذ عند الممارسة هو من الوصايا التي تتلقّاها الفتاة قبل الزواج.29 كذلك يعبّر المثل الشائع "الصمت علامة الرضا" عن هذا العرف، إذ لا يحقّ للمرأة أن تعبّر عن إعجابها بالمتقدّم لزواجها حتّى لا يرتاب فيها. ولا يعني هذا أنّ الرجل لا يتلذّذ بانفعال المرأة، وإنّما يطلب ذلك الانفعال في تجاربه مع عاملات الجنس مثلًا لا مع زوجته. ويذكر أحمد أمين أنّ الخلفاء كانوا يتمتّعون بـ "الجارية" أكثر من الحرّة،30 فيما يفسّر النفزاوي ضحك النساء بالقول: "إذا رأيتَ المرأة كثيرة الضحك واللعب والعبث فاعلم أنّها قحبةٌ زانيةٌ لا شكّ فيها".31 وحتى اليوم، لا يزال يُنظر إلى المرأة كثيرة الضحك أو التي تضحك بصوتٍ عالٍ نظرةَ ريبةٍ وشكٍّ في سلوكها.

يمثّل الجنس مدخلًا أساسيًّا لفهم مكامن التصدّع في النظام الأبويّ العربيّ، فهذا النظام يسلب الفتاة جسدها منذ الطفولة ثم يطالبها بأن تجيد وهبَه لزوجها لإشباعه فور الزواج، وهو إشباعٌ دالٌّ على قوةٍ في ظاهره، لكنّه يخفي ذاتًا هشّةً رهينة لحظةِ ارتخاءٍ تسلب صاحبَها شعورَه برجولته.

 

 

  • 1نوال السعداوي، "المرأة والجنس"، ط 4، الإسكندريّة والفجالة، دار ومطابع المستقبل، 1990، ص 11.
  • 2محمود عوض، "أفكار ضدّ الرصاص"، القاهرة، دار المعارف، ط 5، 2005، ص 16 وما بعدها.
  • 3نوال السعداوي، المصدر نفسه، ص 42.
  • 4نوال السعداوي، "المرأة والجنس"، ط 4، الإسكندريّة والفجالة، دار ومطابع المستقبل، 1990، ص 29.
  • 5سجّلنا هذه الشهادات في الفترة المتراوحة بين 30 كانون الثاني/يناير إلى 9 شباط/فبراير 2023، وعدد الشهادات خمس، امرأتان وثلاثة رجال، من تونس الكبرى ومدينة صفاقس.
  • 6سعيد الحسين عبدلي، "السحر في تونس"، من أجل المال والسلطة والجنس، دراسة سوسيولوجيّة أنثروبولوجيّة، تونس، الدار المتوسّطيّة للنشر، ط 1، 2018، ص 379.
  • 7سجّلنا شهادتيهما بتاريخ 4 شباط/فبراير 2023 في مدينة جبنيانة من ولاية صفاقس.
  • 8سجّلنا شهادته بتاريخ 9 شباط/فبراير 2023 في العاصمة تونس.
  • 9نوال السعداوي، المصدر السابق، ص 33.
  • 10سعيد الحسين عبدلي، المصدر السابق، ص 380.
  • 11المصدر نفسه، ص 34.
  • 12سعيد الحسين عبدلي، المصدر السابق، ص 74.
  • 13 نوال السعداوي، المصدر السابق، ص 34.
  • 14أحمد الصادق مبارك، "المرأة والجنس في تونس اليوم" ، تونس، الأخلّاء، ط 1، 2006، ص 49. والحادثة في العدد الصادر يوم 21/12/1993 من جريدة الشروق ص 12.
  • 15المصدر نفسه، ص 365.
  • 16نوال السعداوي، المصدر السابق، ص 10.
  • 17عبد الواحد المكني، "زمان الأبيض والأسود"، تونس، دار محمّد علي، ط 1، 2019، ص 80.
  • 18ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، "المغني"، الرياض، دار عالم الكتب، ط 3، 1997، ج 12، ص 299.
  • 19منقول عن سعيد الحسين عبدلي، المصدر السابق، ص 357.
  • 20عبد الصمد الديالمي، "سوسيولوجيا الجنسانية العربيّة"، ط1، بيروت، دار الطليعة ورابطة العقلانيّين العرب، 2009، ص 126.
  • 21المصدر نفسه، ص 361.
  • 22المصدر نفسه، ص 368.
  • 23سجّلنا شهادتها بتاريخ 4 شباط/فبراير 2023 في مدينة جبنيانة صفاقس.
  • 24محمّد بن محمّد بن عمر النفزاوي، "الروض العاطر في نزهة الخاطر"، تحقيق فرج الحوار، تونس، الدار المتوسّطيّة للنشر، ط 1، 2018، ص 475.
  • 25سعيد الحسين عبدلي، "السحر في تونس"، من أجل المال والسلطة والجنس، دراسة سوسيولوجيّة أنثروبولوجيّة، تونس، الدار المتوسّطيّة للنشر، ط 1، 2018، ص 370.
  • 26نوال السعداوي، المصدر السابق، ص 19.
  • 27محمّد بن محمّد بن عمر النفزاوي، المصدر السابق، ص 151.
  • 28عبد الصمد الديالمي، المصدر السابق، ص 20.
  • 29عبد الصمد الديالمي، المصدر السابق، ص 13.
  • 30نقله عبد الوهّاب بوحديبة، "الجنسانية في الإسلام"، ترجمة محمّد علي مقلّد، تونس، سيراس للنشر، ط 1، 2000.
  • 31محمّد بن محمّد بن عمر النفزاوي، المصدر السابق، ص 207.

وليد نعمان

وليد نعمان مختص في اللسانيات والآداب والحضارة العربيّة.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.